لحظات من فضلك...

كيف أبدأ من جديد؟ ناتالي خلف تروي رحلة التعافي من الاكتئاب

كيف أبدأ من جديد؟ سؤال يحمل في طيّاته شجاعة حقيقية لأن مجرد طرحه يعني أن شيئًا بداخلك لا يزال يؤمن بأن ثمة بداية ممكنة، وأن الحياة تستحق أن تعاش بشكل مختلف..

وربما لهذا السبب تحديدًا، تصبح القصص أحيانًا أقرب إلينا من النصائح، لأنها لا تقدّم إجابات مثالية، وإنما تشبه ما نمرّ به فعلًا. وفي قصة ناتالي خلف، تظهر هذه الفكرة بوضوح؛ حيث بدأت رحلة مختلفة لم تكن تبحث فيها عن الكمال أو الحلول السريعة، بقدر ما كانت تحاول أن تفهم نفسها من جديد.

ناتالي خلف، مصمّمة وفنانة أردنية مقيمة في دبي. عاشت مع الاكتئاب سنوات، وجرّبت ما جرّبته كثيرات حتى وصلت إلى لحظة قرّرت فيها ألّا تكتفي بالنظر إلى جرحها، وأن تواجهه مباشرةً. وكانت تلك اللحظة نقطة التحول التي بدأ فيها كل شيء يتغيّر.


نقطة التحول في حياة ناتالي خلف

بعد تلك اللحظة التي وصفتها ناتالي بأنها نقطة التحول، لم يكن الطريق أمامها واضحًا أو مباشرًا، لكنها كانت تعرف أن التوقف عند الألم لم يعد خيارًا ممكنًا.

في رحلتها للوصول إلى برّ التعافي، اختارت أن تتجه نحو الطب الشمولي، وهو أسلوب يقوم على فهم الإنسان ككل، ومحاولة الوصول إلى جذور الألم بدل التعامل مع أعراضه فقط.

بالنسبة لناتالي، التي جرّبت مستويات مختلفة من العلاجات، لم يكن هذا النوع من العلاج مجرد تغيير في أسلوب العلاج، وإنما كان انتقالًا في طريقة النظر إلى الذات. وهي تقول إن هذه التجربة ساعدتها على فهم مشاعرها بشكل أعمق، والتعامل مع ما كان مكبوتًا داخلها بدل محاولة تجاوزه أو تجاهله.


ومع هذا التوجه، بدأت ناتالي تنتبه أيضًا إلى جسدها كجزء أساسي من رحلة التعافي، لا كشيء منفصل عنها. فصار الاهتمام بالحركة، والمشي، وممارسة اليوغا، والأكل الواعي جزءًا من يومها، يساعدها على استعادة الإحساس بالاتصال مع نفسها بدل الانفصال عنها.

وتصف تلك المرحلة بأنها بداية مختلفة، كانت تبحث فيها عن مساحة تسمح لها أن تفهم نفسها من جديد، وأن تتصالح مع ما مرّت به دون إنكار أو مقاومة.


 اقرأي أيضًا عن طرق التغلب على الاكتئاب لدى الأم ربّة المنزل


هل تجاهل المشاعر يؤخر التعافي النفسي؟

في تجربة ناتالي خلف، جاءت اللحظة الفاصلة حين بدأت تلاحظ أن محاولات التعايش وحدها لم تعد كافية، خصوصًا بعدما لم تمنحها الأدوية التغيير الحقيقي الذي كانت تبحث عنه. عندها بدأت تدرك أن ما يؤلمها لم يكن شيئًا يمكن تجاوزه بالتجاهل، وأن مشكلتها كانت مع مشاعر ومشكلات عميقة ظلت مؤجلة لفترة طويلة بدون حل.

وتقول ناتالي إن هذه اللحظة دفعتها لمواجهة ما كانت تهرب منه لسنوات، وهناك بدأت رحلتها الحقيقية في التشافي، واكتشاف ذاتها، وتعلّم تقبّلها والتصالح معها بطريقة أكثر هدوءًا ووعيًا.


حب الذات ودوره في التوازن النفسي للمرأة

في مجتمعاتنا العربية، تكبر كثير من النساء وهنّ معتادات على تقديم كل شيء للآخرين أولًا. ومع تراكم المسؤوليات والضغوط، يصبح الاهتمام بالنفس شيئًا يمكن تأجيله دائمًا.

لهذا، لا تتحدث ناتالي خلف عن حب الذات كفكرة مثالية، بل كجزء أساسي من رحلة التوازن النفسي. وتقول إن تعلّم تقبّل نفسها والتعامل معها بلطف كان من أكثر الأشياء التي ساعدتها على فهم ذاتها بطريقة أهدأ وأقل قسوة.

وما تتحدث عنه ناتالي لا يظهر فقط كتجربة شخصية، بل تدعمه أيضًا دراسات حديثة حول الصحة النفسية للمرأة. فقد أظهرت دراسة سعودية نُشرت عام 2025 من باحثات في جامعة الأميرة نورة بالرياض، أن الأمهات العاملات اللواتي مارسن تمارين الامتنان وشاركن في ورش علم النفس الإيجابي سجّلن انخفاضًا ملحوظًا في مستويات الاكتئاب والقلق والتوتر خلال أربعة أسابيع فقط، إلى جانب تحسن واضح في الشعور بالرفاهية النفسية.وبالنسبة لناتالي، لم يبدأ هذا التغيير من خطوات كبيرة، بل من تفاصيل صغيرة أعادت من خلالها بناء علاقتها بنفسها بهدوء؛ من التأمل، والمشي، والطعام الصحي، والأنشطة الفنية التي تمنح عقلها مساحة للهدوء، وصولًا إلى الامتنان وقضاء الوقت مع من تحب. وهي ترى أن الإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب أو الطمأنينة للآخرين، إذا كان يعيش في قطيعة مستمرة مع نفسه.

وبالنسبة لناتالي، لم يبدأ هذا التغيير من خطوات كبيرة، بل من تفاصيل صغيرة أعادت من خلالها بناء علاقتها بنفسها بهدوء؛ من التأمل، والمشي، والطعام الصحي، والأنشطة الفنية التي تمنح عقلها مساحة للهدوء، وصولًا إلى الامتنان وقضاء الوقت مع
.من تحب. وهي ترى أن الإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب أو الطمأنينة للآخرين، إذا كان يعيش في قطيعة مستمرة مع نفسه


.ومع الضغوط اليومية والتفكير المستمر، قد تحتاج المرأة أحيانًا إلى مساحة تساعدها على تهدئة هذا الضجيج الداخلي، مثل جلسات تخفيف التفكير الزائد، التي تساعد على التعامل مع الضغط الذهني بطريقة أكثر هدوءًا ووعيًا


كيف حولت ناتالي خلف التعافي إلى رسالة للآخرين؟

لم تتوقف رحلة ناتالي عندها بشكل فردي، ولكنها حولت الألم إلى نقطة بداية بدلًا من أن يكون نقطة نهاية. وفي عام 2018، أسست ناتالي مشروعها “تعبير”، وهو مساحة تهدف إلى مساعدة الآخرين على التعامل مع مشاعرهم المكبوتة مثل الخوف، والغضب، والألم، والحزن، بطريقة تسمح لهم بفهم أنفسهم بدل الهروب منها. كان الهدف منها خلق مساحة آمنة يشعر فيها الإنسان أنه غير مضطر لإخفاء ما بداخله.

وتقول ناتالي إن ما دفعها لهذا المسار لم يكن قرارًا مخططًا بقدر ما كان امتدادًا طبيعيًا لما عاشته. فهي تؤمن أن الإنسان عندما يبدأ بفهم ذاته بصدق، يصبح أكثر قدرة على رؤية الآخرين دون حكم، وأكثر استعدادًا لاحتوائهم أيضًا.

ومع هذا التحول، لم يعد التعافي بالنسبة لها نهاية رحلة، بل بداية علاقة جديدة مع الحياة، تقوم على الوعي، وإدراك أن لكل إنسان قصته الخاصة.


ختامًا.. في كل مرة يخطر ببالكِ سؤال كيف أبدأ من جديد؟ تذكّري أن البدايات لا تأتي دائمًا بشكل واضح أو مثالي، لكنها تبدأ غالبًا من لحظة صادقة مع النفس، ومن الشجاعة في طلب المساعدة بدل الاستمرار في الهروب من الألم. وهذا تمامًا ما تعكسه تجربة ناتالي خلف، التي لم يتحوّل التعافي لديها إلى مجرد فهم للمشاعر، بل إلى علاقة مختلفة مع الحياة، تقوم على فهم النفس بدل مقاومتها، وعلى البحث عن السلام الداخلي وسط الضغوط اليومية.

وجدان ابو احمده
وجدان ابو احمده

كاتبة محتوى عربي متمرسة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الإعلام، وشغوفة بالعمل على مشاريع مرموقة تقدّر المحتوى المميز. أتمتع بمهارة في تبسيط المفاهيم المعقدة وتحويلها إلى رسائل إبداعية سهلة ومباشرة تلائم الجمهور المستهدف. لدي خبرة قوية في تحسين الوصول للمحتوى من خلال محركات البحث (SEO) وتطوير المهارات الرقمية بشكل مستمر.أدعم بشغف كل المبادرات الهادفة لإعادة دمج الأمهات المنقطعات عن سوق العمل، في أي وقت وأي مكان.

المقالات: 12

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *