لحظات من فضلك...

متلازمة المحتال وتأثيرها على نجاح الأمهات في العمل التجاري أو العودة للعمل بعد انقطاع

حين عادت نسرين، مهندسة برمجيات في الثلاثينات من عمرها، إلى عملها بعد عام من إجازة الأمومة، لم يكن التحدي الحقيقي في اللحاق بالتطورات التقنية أو موازنة مهامها الأسرية، بل في مواجهة الصوت الداخلي الذي يهمس: “أنتِ لا تستحقين أن تكوني هنا”.

هذه الظاهرة، المعروفة باسم متلازمة المحتال، تصيب ما يصل إلى 70% من النساء العاملات في مرحلة ما من حياتهن المهنية، مقارنةً بـ58٪ فقط من الرجال، وفقاً لبحث حصري أجرته شركة Hays.

وتزداد حدّتها بعد فترات الانقطاع، إذ وجدت دراسة لمنظمة Lean In بالتعاون مع McKinsey أن 1 من كل 4 أمهات عائدات للعمل يشعرن بانخفاض في الثقة بالنفس، ما ينعكس مباشرة على فرص الترقية.

تعرفي في مقالنا على:


في مكاتب الشركات الكبرى في دبي والرياض والكويت، تجلس أمهات عائدات من انقطاع وظيفي يتراوح بين عامين إلى عشرة أعوام، يحملن شهادات مرموقة وخبرات سابقة معتبرة، لكن شيئاً ما يثقل خطواتهن نحو التقدم: صوت داخلي يهمس بأنهن لا يستحققن المكان الذي عدن إليه.

هذه الظاهرة تُعرف بـ”متلازمة المحتال” (Impostor Syndrome)، وهي حالة نفسية تجعل الفرد يشعر بأنه مزيف وغير مؤهل، رغم أدلّة واضحة على كفاءته. في الخليج، حيث لا تزال الأمومة مرتبطة اجتماعياً بالتضحية المهنية، تُصاب نسبة كبيرة من النساء العائدات للعمل بهذه المتلازمة، ما يعيق طموحهن في الترقّي أو حتى الاستمرار.

هناك تقارير واستطلاعات تشير إلى أن نسبة كبيرة من الأمهات العائدات يشعرن بعدم الثقة أو الكفاءة خلال الفترة الأولى بعد العودة، وأن بعضهن يدخلن وظائف أقل من خبراتهن السابقة أو يواجهن صعوبة في الحصول على مناصب إشرافية.

وفق دراسة أجرتها منصة “لينكدإن” في الشرق الأوسط عام 2022، فإن 68% من الأمهات الخليجيات العائدات للعمل شعرن بعدم الجدارة أو الثقة خلال أول ستة أشهر بعد العودة، مقارنة بـ39% في أوروبا. كما أظهرت بيانات وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في السعودية أن 71% من النساء اللاتي انقطعن عن العمل التجاري لأكثر من ثلاث سنوات لم يتقدمن لأي منصب إشرافي خلال عامهن الأول من العودة.

بعض الشركات الكبرى في الخليج تطلق مبادرات للتدريب أو التوظيف تستفيد منها الأمهات العائدات للعمل، لكن العديد من هذه المبادرات تركز بشكل رئيس على التنمية المهنية التقنية دون توفير دعم كافٍ للجوانب النفسية، مثل تقدير الذات والثقة.

وحتى الآن، لا توجد معلومات موثوقة تفيد بأن معظم دول الخليج لديها سياسات قانونية صريحة تلزم القطاع الخاص بتوفير دعم نفسي أو مهني خاص بالأمهات العائدات بخلاف أنظمة رفاهية اجتماعية أقوى تُلاحظ في دول مثل السويد وكندا، حيث توجد برامج للدعم الوالدي وتعويضات وإجازات، حيث يتم تخصيص ميزانيات سنوية محددة لإعادة الدمج المهني للأمهات بمبالغ مثل 40-75 مليون دولار مع إلزام ببرامج إرشاد نفسي.


عندما تتجاوز الأم العاملة متلازمة المحتال، ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس لها بأنها لا تستحق النجاح وأن ترقيتها كانت “صدفة” أو أن عودتها إلى العمل التجاري بعد الإنجاب لن تكون مجدية، تنفتح أمامها مسارات مهنية لم تكن تراها من قبل.

وفق تقرير Women in the Workplace 2023 الصادر عن مؤسستي Lean In وMcKinsey & Company، تُظهر البيانات أن الأمهات العاملات، خصوصاً العائدات إلى وظائفهن بعد إجازة الأمومة، يواجهن مستويات مرتفعة من الإرهاق النفسي والشعور بالضغط مقارنة بزملائهن الرجال. ويشير التقرير إلى أن الدعم المؤسسي، مثل سياسات المرونة في العمل، والإرشاد النفسي، والتمكين التدريبي الموجَّه، يُسهم بشكل ملموس في تحسين معدلات الاحتفاظ بهن وزيادة إنتاجية فرق العمل.

في المقابل، الشركات التي تتبنّى برامج شاملة لدعم الوالدين تُعد من الأمثلة التي يُستشهد بها في تطبيق ممارسات مستدامة تجمع بين رفاه الموظفين وتحسين الأداء التجاري. وتؤكد نتائج التقرير أن وجود بيئة داعمة بعد العودة من إجازة الأمومة يرتبط بارتفاع مستوى الالتزام والأداء لدى الموظفات، وإن لم تُحدَّد نسبة رقمية دقيقة لذلك.

في بعض الشركات العالمية تُناقش مبادرات لإعادة دمج الأمهات العاملات بعد إجازة الأمومة من خلال التدريب المهني والدعم النفسي. فالشركات التي تُوفّر سياسات مرنة، إرشادًا وتدريبًا، تُظهر تحسّناً في معدلات الاحتفاظ بالموظفات وتحقيق أداء أفضل لفرقهن، وفق تقارير التنوع والبيئة المهنية.

في دول الخليج، هناك دراسات مبدئية وجدّت أن الأمهات العاملات قد يعانون من تراجع في الثقة بالنفس عند العودة للعمل، لكن أنشطة التمكين الوظيفي من شركات مثل اتصالات وطيران الإمارات أو غيرها غالبًا ما تُفيد في تحسين الشعور بالثقة والتمكين — رغم أن الأرقام الدقيقة ومدى تأثيرها لا تزال بحاجة إلى بحث وتوثيق أكاديمي.

بشكل عام، ما هو أكيد هو أن الدعم النفسي والسلوكي (بما فيها معالجة متلازمة المحتال)، إلى جانب التدريب المهني والمرونة في السياسات، يمكن أن يلعب دورًا مهمًّا في تحسين فرص الترقية والأداء ومستوى الثقة، لكن الأرقام المحددة تستلزم توثيقًا دقيقًا من دراسات محكّمة.


في صيف 2023 أطلقت بعض الشركات ومبادرات المجتمع المدني في الشرق الأوسط برامج مخصصة لإعادة دمج الأمهات العائدات إلى سوق العمل، مستفيدةً من نماذج «العودة المدعومة» (returnships) التي طوّرتها مؤسسات عالمية. أظهرت تجارب هذه البرامج أن التحدّي الأكبر ليس دائماً فجوة المهارات، بل المشاعر النفسية المصاحبة للعودة. إذ تُبلّغ نسبة كبيرة من المشاركات عن شعورٍ بعدم الجدارة أو أن نجاحهن يعود للحظ أكثر منه للكفاءة.

استطلاعات مثل تقرير PwC عن العائدات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُظهر أن جزءاً كبيراً من النساء أخذن فترات انقطاع مهني وأنهن يواجهن تحديات في مطابقة الفرص الوظيفية مع مهاراتهن وخبراتهن، مما يتطلب برامج موجهة لإعادة الدمج المهني والنفسي على حدٍ سواء. لذلك، لا يكفي تقديم تدريب فني فقط بل هناك حاجة إلى حزمة متكاملة تشمل الدعم النفسي، التوجيه المهني، وتدابير عملية مثل العودة الجزئية أو التدريجية.

على مستوى الخبرات الدولية، تعتمد برامج ناجحة لإعادة الإدماج على عناصر أساسية متكاملة:

  • تقييم احتياجات عقلية ومهنية،
  • تدريب على المهارات القيادية والعملية،
  • جلسات علاج معرفي-سلوكي جماعية أو مجموعات دعم،
  • برامج إرشاد مهنية (mentorship)، ربط بالشبكات المهنية، وإتاحة دعم مادي أو فترة مدعومة للتدرّج في العمل. هذه الحزمة تساعد على رفع الثقة الذاتية وتقليل أثر متلازمة المحتال على قرارات التقدّم والترقي.

للتطبيق في الشركات العربية يمكن اقتراح خطوات عملية أولية قابلة للتنفيذ:

1- قياس أثر البرامج دورياً بمؤشرات واضحة (استبانات ثقة، معدلات بقاء، نسب التقدّم في الدرجات الوظيفية) ونشر النتائج بشفافية لتحسين البرامج وتوسيعها.

2- إنشاء وحدات دعم داخلية تحت إدارة الموارد البشرية تتولى تقييم الاحتياجات النفسية والمهنية للعائدات.

3- تصميم برامج «عودة مدعومة» قصيرة المدى (returnships) تتضمن توجيهًا مهنيًا ومنهجيات تدريب مخصّصة، مع جدول تدرّجي للدوام.

4- إطلاق مسارات إرشاد داخلية (mentorship) تربط العائدات بزميلات سابقات خضن التجربة نفسها.

5- دمج جلسات علاجية أو مجموعات دعم معرفي-سلوكي لتعليم أدوات التعامل مع الشك الذاتي وبناء ثقة مهنية مستدامة.


رغم أن 62% من الأمهات العائدات إلى سوق العمل التجاري بعد انقطاع يختبرن أعراض “متلازمة المحتال” ، فإن ذلك لا يعني أن النجاح بعيد عن متناولهن. في الواقع، أظهرت دراسة من شركة Deloitte عام 2023 أن الأمهات اللواتي تلقين دعمًا نفسيًا وتنمية مهنية عادلة ارتفعت إنتاجيتهن بنسبة 28% خلال أول 6 أشهر بعد العودة للعمل.

في شركة SAP الشرق الأوسط، تم تنفيذ برنامج “عودة بثقة” عبر 6 خطوات تبدأ بتقييم المهارات، فخطة تطوير فردية، ثم دمج تدريجي، وتوجيه وظيفي، وجلسات دعم نفسي، وأخيرًا مراجعة أداء بعد 3 أشهر، ما رفع معدلات الاحتفاظ بالموظفات العائدات بنسبة 41%. في المقابل، كشفت بيانات

في نهاية المطاف، لا تُعدّ متلازمة المحتال مجرّد شعور عابر بعدم الجدارة، بل انعكاساً عميقاً لضغوط اجتماعية ومهنية تواجهها النساء في مختلف مراحل مسيرتهن. وبينما تُظهر الأبحاث أن الكثير من النساء المتميزات يشككن في كفاءتهن بعد فترات الانقطاع أو أمام تحديات جديدة، فإن الحل لا يكمن في تجاهل هذه المشاعر، بل في الاعتراف بها والتعامل معها بوعي.

إن بناء بيئة عمل أكثر دعماً ومرونة، تعترف بقيمة الخبرة الإنسانية إلى جانب المهنية، هو الخطوة الأولى نحو الحد من هذه الظاهرة. فالثقة لا تُستعاد بمجرد العودة إلى المكتب، بل تُبنى حين تجد المرأة صوتها ومكانها من جديد بثقةٍ لا تهتز، وبإيمانٍ بأنها تستحق كل إنجاز تصل إليه.

سارة لولو
سارة لولو

طبيبة أسنان من فلسطين وخريجة ماجستير إدارة الرعاية الصحية الدولية في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية.
أم لطفلة، وأؤمن بأن كل أنثى تُولد على فطرةٍ مليئةٍ بمشاعر وعوالمَ وملكَاتٍ تخلق فيها معاني الأمومة.
اليوم أقدم ما لديّ في كلمات من أجل كل أم وأنثى وغداً سأبحث عن مساحةٍ آمنة لي كَأُم، وهذا ما يجعلني ممتنةً أكثر للانضمام إلى عائلة أمهات.
أعيش في سفرٍ دائم ثري مستمر يتنقّل بين محطات وتجارب وأُناس، فالحياة ليست بقائمة أهداف فحسب بل بكل المحطات التي نتزود من خلالها بوقود يُثري القلبَ، العقلَ والروح. وها أنا أوثق سفري بالكلمة، فالكلمات تُورَّثُ مع الزمن لتنتقل تجاربنا للأجيال القادمة، لعلها ترشد أو تُنير درباً.

المقالات: 12

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *