أعمارنا ليست قيوداً لأحلامنا | قصة نجاح أم تعود لمقاعد الجامعة بعد ٢٥ عاماً!

رحلة الحياة مليئة بالصعوبات والتحديات التي قد تحول بيننا وبين صناعة قصة نجاح نطمح إليها، ومن الناس من يستسلم عند أول مطب ومنهم من يقف صامداً شامخاً لا يثنيه شيء عن الوصول إلى مبتغاه. كما كان حال بطلة قصتنا اليوم التي تخطت حواجز الحرب والغربة والعمر لتصل أخيراً إلى حلمها في دراسة الطب بعد ٢٥ عاماً.. لتثبت لنا بأن الأحلام ليس لها فترة صلاحية ولا عمرٌ محددٌ لتحقيقها.. فطالما في العمر سعة نستطيع العمل جاهدين لتغدو أحلامنا حقيقة.


اسمي سناريا طارق البدري، عراقية مقيمة في إيرلندا وأم لولدين. حصلت على بكالوريوس في الميكروبيولوجي عام ١٩٩٦.. ونلت درجة الماجستير في نفس التخصص..ثم عملت لمدة عامين في إحدى المؤسسات الداعمة للمرأة العراقية، بعد ذلك تقدمت لدراسة الدكتوراه ولكن الحرب اندلعت في العراق واضطررت حينها إلى السفر.


رحلتي كانت شاقة، بدأت باضطرارنا لترك العراق إلى بلد عربي آخر والحصول على شهادة الدكتوراة بوجود طفلين الأكبر يبلغ سنتين من العمر والأصغر شهرين.. الأمر الذي احتاج للدعم المستمر والذي تلقيته من قبل عائلتي وزوجي. بعد وصولي إلى إيرلندا واجهت تحديات العمل وكانت الفرص قليلة، ولكنني استطعت أن أتخطى هذا الأمر وعملت في إحدى الجامعات المرموقة لبضعة سنين.. ولكن حلمي في دراسة الطب لازمني وحاولت الاقتراب منه عبر تقدمي لدراسة الماجستير في الطب الجزيئي وأجريت أبحاثاً  حول سرطان الرئة، ولكن لم يُسكت ذلك رغبتي في دراسة الطب وحال بيني وبين حلمي.. خوفي من  ترك أطفالي والسفر لدراسة الطب.. فقام زوجي بأخذ زمام المبادرة وتقديم أوراقي للجامعة، حينها استرجعت إرادتي القوية في إكمال المشوار وأخذت عهداً على نفسي أنني سأستمر رغم الصعوبات وسلمت أمر أبنائي لله.

كانت الأصوات المحيطة بي تتساءل عن حاجتي لشهادة الطب رغم امتلاكي لشهادات عليا أخرى.. ولم يدركوا أنّ دراسة الطب بالنسبة لي هو حلم طالما انتظرته ولا يهمني إن حققته بعد ٢٥ عاماً فالعمر مجرد رقم.. والآن على اجتياز كل الصعوبات لأنهي دراسة الطب العام وأختص في المجال الذي أرغب به وهو الجراحة أو الجلدية.


بفضل الله نجونا من الحرب وتركنا وراءنا كل شيء جميل ومكثنا في بلد عربي لبضع سنين، ثم قدمت لأوروبا عام ٢٠١١. أما فيما يخص الأمومة، فقد أحببت أن أكون لأولادي أماً مثالية قادرة على تحقيق أحلامها رغم التحديات وأن أوصل لهم رسالة مهمة..وهي أنّ الحياة صراع وتحديات ولا يجب علينا الاستسلام.. فأنا شهدت الحرب في بلدي، ولكنها لم تكن معوقاً لي..واستطعت أن أشق طريقي في أي بلد كنت أنتقل إليه.. واليوم أولادي هم من يشجعونني على الاستمرار.


سر قوتي هو وجود الله معي دائما وأبداً، بالإضافة إلى قوة الإرادة والصبر.. فنصيحتي لجيل اليوم ألا يستمعوا إلا لما يمليه عليهم عقلهم وأن يسيروا وراء رغباتهم وأحلامهم بجدٍّ واجتهاد.. وعليهم ألا يستسلموا إن لم تتحقق أحلامهم في نفس اللحظة، بل يسعوا جاهدين باحثين عنها إلى أن يستطيعوا تحقيقها.. فالصبر هو مفتاح الفرج.


لقد كانت رحلتي شاقة مليئة بالتحديات والمعوقات؛ خاصةً في إيرلندا حيث واجهت صعوبات في إيجاد العمل الملائم كوني امرأةً عربيةً مسلمةً وسط مجتمعٍ لم يعتد ثقافة الاندماج مع الثقافات الأخرى.. ولكن وبفضلٍ من الله استطعت تخطي هذا الأمر بالإصرار والإرادة وأثبتُّ جدارتي في كل مكان عملت فيه.. واستطعت تقديم نظرة معكوسة لمفهومهم الذي بدأ يتغير تدريجياً، واليوم تربطني مع الكثير منهم علاقات طيبة.


رافقني دعم أهلي وزوجي طوال مسيرتي.. فقد شجعتني والدتي على الدراسات العليا وبعد زواجي أصبح زوجي هو الداعم لي.
ما أعظم الدعم الذي يكون في محله، فماذا لو كنا ندعم أبناءنا في اختيار التخصص الجامعي الذي يحبونه ونكون سببًا في دعم قصة نجاح وإلهام!


إن كل امرأة قادرة على التوفيق بين عملها ودورها كأم، فالإرادة الموجودة لديها تمكنها من صنع المستحيل.. وأقول لكل أم أنها هي من يقود هذا الجيل فلتكن مثالاً يحتذى به ولا تعجز.. وإيّاها أن تضع للعمر أهمية فالعمر مجرّد رقم لا يجب أن يكبح طموحها.


في ختام قصة نجاح الطبيبة سناريا، أرجو من كل أم طوت شراع رحلتها باتجاه حلمها أياً كان السبب.. أن تعيد الإبحار قِبَل حلمها المرتقب، وكلي يقين بأننا سنقرأ يوماً ما قصة وصولها ونجاحها.

هذا المقال بقلم رزان عقدة من فريق كلنا أمهات.

قصة نجاح أم الدكتورة خولة أبو عليا في الغربة

قصة نجاح أم عربية في أوروبا

لقراءة قصة نجاح أخرى ملهمة، هنا.

Razan Okdah
Razan Okdah

رزان عقدة، أخصائية في التشخيص المخبري من سوريا، وأم لفتاتين تملأ ضحكاتهم حياتي حبًا وتحديًا. أتنقل بين أنابيب المختبر وهمسات الأمومة في البيت، وبينهما أبحث عن مساحة هادئة على الورق أكتب فيها ما لا يُقال في زحام الأيام.
أكتب لكل امرأة تخوض معاركها اليومية بصمت، ولكل أم تحاول أن توازن بين العطاء للآخرين والوفاء لذاتها. أؤمن أن التعب حين يُروى يتحول إلى وعي، وأن الحكايات، مهما كانت بسيطة، تُشكّلنا وتلهم من حولنا.
رسالتي تتجاوز أنابيب المختبر، حيث أسعى لنشر الوعي الطبي بطريقة قريبة وبسيطة، لأنني أؤمن أن التحليل الطبي والكلمة يكشفان ما لا يُرى، ويمنحنا فرصة لحياة أفضل.
ممتنة لانضمامي إلى "كلنا أمهات"، حيث وجدت صدى صوتي، وامتدادًا لقناعتي بأن الأصوات الصادقة لها تأثير قوي، وأن مشاركة التجارب تصنع الفرق لتضيء الطريق للآخرين

المقالات: 5

4 تعليقات

  1. دكتورة سناريا زميلتي طياة فترة الدراسة من البكلوريوس حتى الماجستير ومن ثم الدكتوراه التي لم تستطع اكمالها بسبب الحرب في 2003 وما قامت به يعتبر بالنسبة لي الهام ومضرب مثل بالاصرار والعزيمة حتى اني اسرد لاولادي تجربتها لتكون لهم قدة حفظها الله صديقة واخت وزميلة طيلة الحياة

  2. دكتورة سناريا اختنا الغالية وامنا الحنونة إنسانة من معدن نادر تفوق الوصف لها ارادة قوية جدا سرها ايمانها المطلق بالله سبحانه وتعالى
    مبروك تحقيق طمح نيل شهادة في الطب داعيًا من الله ان تحققين جميع احلام

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *